مؤيد الدين الجندي

319

شرح فصوص الحكم

جميع أفاعيلهم فكلَّها من أعمال الله بهم وفيهم ، كما ثمّ أيضا كذلك ، * ( وَالله خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ ) * « 1 » فأضافوا ما أتوا به من المحامد والمحاسن والفضائل وصالحات الأعمال كلَّها إلى الله ، فخلصوا من ورطات الرياء والسمعة والشرك الخفيّ والجليّ وغير ذلك من العقبات الموجبة للعقوبات ، وجعلوا أنفسهم أيضا وقاية لله في إضافة النقائص والقبائح والمذام من الأعمال والأفعال والأخلاق والنعوت والأوصاف ، فحازوا بذلك أسرار شهود * ( وَما أَصابَكَ من سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ ) * « 2 » بكسر الميم ، وقوله : « والشرّ ليس [ إلَّا ] إليك ، ومن وجد غير ذلك فلا يلومنّ إلَّا نفسه » فنسبوا كلّ ذلك إلى أنفسهم ولم ينسبوا إلى الله ، ووقفوا - وقاية - عن إضافة النقائص من نقائص الكمالات التي اتّخذوا الله فيها وقاية ، فصار كل منهما وقاية لصاحبه مع أحدية العين في عين الفرق فبدّل الله سيّئاتهم حسنات ، لأنّه لا فاعل في الحقيقة إلَّا الله جمعا وفرقا ، حقّا وخلقا ، ففازوا بحمد الله بدرجة التحقيق وانتهجوا سواء الطريق ، والرحمن الذي وسعهم بحيطة بسط عليهم مضافا إلى ما بهم من النعم من بسطته . والثاني : من أضاف الأفعال كلَّها إلى نفسه ، وهم على صنفين : منهم من سعد بالأعمال الصالحة والعبادات والطاعات ، فنجا . ومنهم من شقي بأضداد أفعال أهل السعادة ، فهلك ولم يجد ملتجأ . والصنفان على أصناف لا يتدارك ولا يحصيها إلَّا الله ، وكلَّهم محجوبون ، ولأهل الكشف والحجب تماثيل وأمثله منصوبون ، وعند كشف الغطاء مطالبون ، فافهم والله الملهم . قال الشيخ - رضي الله عنه - : « فقالوا في مكرهم : لا تذرنّ آلهتكم ولا تذرنّ ودّا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا « 3 » ، فإنّهم إذا تركوهم جهلوا من الحق « 4 » قدر ما تركوا من هؤلاء ، فإنّ للحق في كلّ معبود وجها يعرفه من عرفه « 5 » ، ويجهله من جهله » .

--> « 1 » الصافّات ( 37 ) الآية 96 . « 2 » النساء ( 4 ) الآية 79 . « 3 » نوح ( 71 ) الآية 23 . « 4 » في بعض النسخ : على قدر ما . « 5 » في بعض النسخ : يعرفه من يعرفه ويجهله من يجهله .